محمد جواد مغنية
130
في ظلال نهج البلاغة
فعل ، ومن أقواله : « فو اللَّه ما أخذت منه إلا كقوت اتان دبرة » . . وكان أكره شيء عليه الادخار ، ويقول في ذلك : « فو اللَّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا حزت من أرضها شبرا » . وأجمع الرواة وأهل السير على أن عليا كان يدخل بيت المال ، ويقسم على الناس ما وجد فيه حتى الإبرة والخيط وكسرة الخبز ، ثم يأمر فيكنس ، وينضح الماء ، ثم يصلي فيه ركعتين ، ويقول : هكذا يجب أن يكون بيت المال . واذن فلا عذر ولا مندوحة لعلي ، وقد أصبح خليفة المسلمين - أن يسكت ويتجاهل ما انتهبه المستغلون من بيت المال ، وأن لا يأخذهم بمبدأ « من أين لك هذا » حتى ولو تزوج به النساء ، وملك به العبيد والإماء . . ومن أجل هذا ثار عليه الناهبون والمغتصبون . قال التاريخ : ان عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يقول : « ما كنت صانعا فاصنع ، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل ما تملك كما تقشر عن العصا لحاها » أي قشرها . . وأيضا قال التاريخ ان الإمام أمر بأن تجمع كل الأموال التي أعطاها عثمان حيثما كانت ، وأن تؤخذ إبل الصدقة التي كانت في دار عثمان حين قتل . وتسأل : أليست هذه قسوة من الإمام ، يأخذ إبل الصدقة من دار الخليفة المقتول ، ويحرم منها أهله وأولاده . الجواب : إن القاسي هو الذي يعتدي على حقوق الناس ، أما من انتصر للحق ، ورده من الغاصب إلى أربابه فهو عادل ورحيم ، ما في ذلك ريب . . هذا ، إلى أن أبا بكر انتزع فدكا من فاطمة ، وهي بضعة من رسول اللَّه ( ص ) وكانت تتصرف بفدك في حياة أبيها وعلى مرأى منه ، ومع هذا أخذ أبو بكر فدكا ، وقال : هي للمسلمين . . فهل أولاد عثمان أفضل وأعظم عند اللَّه من فاطمة التي كناها المسلمون « بأم أبيها » لأنها أشبه الناس به سمتا وخلقا ، وهديا ومنطقا ( فإن في العدل سعة ) . لأنه يضع الأمور في مواضعها ، ويعطي لكل ذي حقّ حقه ، وليس في دولته ظالم ولا مظلوم ( ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ) بالبداهة ، لأن من لا يطيق العدل والانصاف ، وينفر منه كيف يطيق العسف والجور .